محمد متولي الشعراوي

3185

تفسير الشعراوى

والحذر - إذن - يقتضى عقلا مركبا ، ولذلك كانوا يعرفون الحذر من الغراب . فها هو ذا الغراب يعلم ابنه في قصة شعبية فيقول الغراب لابنه : احذر الإنسان ؛ لأن الإنسان عندما ينحنى ليلتقط شيئا من الأرض فهو يلتقط قطعة من الطوب ليرميك بها . وهنا يقول الغراب الصغير لوالده : وماذا أفعل لو كان هذا الإنسان يخبىء قطعة الطوب في جيبه ؟ إنها قصة توحى بأن الغراب حذر بفطرته . ونرى مثل ذلك في مظاهر الأشياء كالمرابى الذي يزين للناس أن يضعوا أموالهم عنده ويعطيهم فائدة تبلغ عشرين بالمائة ، هذه صورة شئ ينفع ولكنها ضارة بالفعل ؛ لأنها تزيد المال ظاهرا ولكن ينطبق عليها قول اللّه : ( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ) . وهذا أمر ضار يزينه الخصم وكأنه أمر نافع . والحق يطلب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يكون حذرا ، فماذا يكون المطلوب من الأتباع ؟ . إنه الحذر نفسه ؛ لأن أفضل البشر وجّهه اللّه إلى الحذر : « وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ » لأن الصورة التي دخلوا بها هي صورة تزين الخداع ، فقد قالوا : نحن جئناك لتحكم لنا ، فإن حكمت لصالحنا فلسوف نتبعك ، وهذا أمر يبدو في صورة شئ نافع . وجاء القول الحق ليحسم هذه المسألة : « وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ » وهنا يحذر اللّه رسوله من الفتنة عن بعض ما أنزله إليه سبحانه . ويتابع الحق : « فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ » وهم إن تولوا ، فاعلم أن اللّه يحميك أن تنزلق إلى شبهة باطل . فهم قد اختاروا أن يوغلوا في الكفر ، وفي الابتعاد عن منهج اللّه ، وسيصيبهم ببعض عذابه مقابل ذنوبهم ، وسبحانه لا يصيبهم ظلما ، بل يصيبهم ببعض الذنوب التي ارتكبوها . وهو أعلم بهم ، لأنه الأعلم بالناس جميعا . ويختم الحق الآية بقوله : « وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ » أي خارجون عن طاعة كتبهم ورسلهم ؛ لأن طاعة الكتب السابقة على القرآن تنص على ضرورة الإيمان بالرسول النبي الأمين صلّى اللّه عليه وسلّم . ويقول الحق : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ